الشيخ محمد تقي الفقيه

223

قواعد الفقيه

ويمكن الاستدلال لجواز الدفع مطلقا وفي جميع الأحوال ، بالسيرة القطعية المتصلة ، فإن سيرة العقلاء والمسلمين على دفع اللصوص والسباع والحشرات والهوام على أنفسهم وعيالهم ومواشيهم وممتلكاتهم ، من غير أن يفكروا فيما يفعله المدفوع بعد دفعه ، بل يفعلون ذلك ، وهم يعلمون بحسب العادة ، أن اللص إذا طرد لا يعود إلى منزله ، بل يذهب في مهمته إلى أماكن أخرى ، ومثله الذئب والجراد وغيرهما ، فإن الذئب يطلب رزقه من المواشي والجراد من المزارع ، ويؤيد هذا : أن الناس لا ينكرون طرد اللصوص والسباع والحشرات ، وإن عاثت في أملاك غيرهم ، ولا نعرف في الشريعة دليلا يردعهم ، وفي عدم الردع تقرير لهم ، مضافا إلى إمكان دعوى ثبوت التقرير ، بالاطلاقات التي أشرنا إليها آنفا . ويمكن أن يقال : أن السيرة بقسميها لبية ، والقدر المتيقن منها ما عدا صورة العلم بأضرار الغير ، ولا سيما إذا كان معينا ، كما لو طرد الذئب عن ماشيته ، أو الجراد عن زرعه ، عالما بأنه سيذهب إلى ماشية أو زرع جاره . وفيه : أن سيرة الزراع والرعاة على طرد ابن أوى والذئب وغيرهما من الحيوانات الضارة بالزرع والماشية ، وهم يعلمون بذلك ، بل قد يكون ذلك بمرأى ومسمع من المجاورين ، وهم يرون أن كل واحد منهم مسؤول عن حماية ما يتعلق به . وهل يجب على الدافع عن ماله ، أن يعين جاره على دفع الضرر عن نفسه ، مقتضى الأصل العدم ، ومقتضى ملاحظة ظاهر النصوص الآمرة بالتعاون على البر ، والناهية عن التعاون على الإثم والعدوان هو وجوب التعاون على البر ، وحرمة التعاون على الإثم ، ومقتضى ملاحظتها أجمع هو استحباب التعاون على البر وكراهة التعاون على الإثم إلا إذا كانت المعاونة عليه تعد تسبيبا أو مباشرة على نحو تصحح نسبة فعل المحرم للمعين . فيكون من التسبيب المحرم « 1 » . نعم ، ربما يجب ذلك في بعض الموارد من باب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر لاشتراك التكليف بينهم ، إذا كان هذا الواجب الكفائي لا يتحقق

--> ( 1 ) وهذا هو الضابط الفارق بين التسبيب المحرم والتسبيب غير المحرم .